حبيب الله الهاشمي الخوئي

23

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أوّل الأوقات أو قصر في بعض أسبابه مع حصول غالب الأسباب ، ثمّ أخذ ينتظر ثمرة ذلك الزّرع ويرجو اللَّه سبحانه في سلامة له فهو من جملة الرّاجين أيضا . ومن لم يحصل بذرا أو بذر في أرض سبخة أو صلبة غير قابلة للانبات ، ثمّ أخذ ينتظر الحصاد فذلك الانتظار حمق فكان اسم الرجاء إنّما يصدق على انتظار ما حصل جميع أسبابه أو غالبها الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق إلَّا ما لا يدخل تحت اختياره وهو فضل اللَّه تعالى بصرف المضّار والمفسدات . كذلك حال العبد إن بذر المعارف الإلهية في قلبه في وقته وهو انف البلوغ ومبدء التكليف ودام على سقيه بماء الطاعات واجتهد في تطهير نفسه عن شوك الأخلاق الردية التي تمنع نماء العلم وزيادة الايمان وانتظر من فضل اللَّه أن يثبته على ذلك إلى زمان وصوله وحصاد عمله فذلك الانتظار هو الرجاء الحقيقي المحمود وهو درجة السّابقين . وإن ألقى بذر الايمان في نفسه لكنه قصر في بعض الأسباب إما بتأخير في البذر أو تسامح في السقي في الجملة ثمّ أخذ ينتظر وقت الحصاد ويتوقع من فضل اللَّه تعالى أن يبارك له ويعتمد عليه على أنه الرّزاق ذو القوة المتين فيصدق عليه أنه راج أيضا لحصول أكثر الأسباب . وأما من لم يزرع من قواعد الايمان في قلبه شيئا أو زرع ولم يسقه بماء الطاعة أو لم يطهر نفسه من رزايل الأخلاق واشتغل بالسّيئآت أو انهمك في الشهوات ثمّ انتظر المغفرة والفضل من اللَّه فانتظاره حمق وغرور . قال سبحانه : « خلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا » وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنّى على اللَّه الجنّة ، قال الشّاعر : إذا أنت لم تزرع وعاينت حاصدا ندمت على التفريط في زمن البذر فأعظم الحمق والاغترار التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة